سيرة ذاتية بسيطة لشخص عظيم دُفن تحت التراب.. لكن حفيدته قررت تسطر عظيم إنجازاته بحروفها البسيطة
ماعندي غير الدعاء وهذا الكلام اللى اقدمه لجدي… وعلى قد ما كان يحب العلم على قد ما حاولت أوصفه بالحروف اللى عندي وقليل الكلمات اللى تسعفني
بسألكم هل قد تمنيتو تكونون مثل شخص ماقد شفتوه؟
أنا مثلاً أتمنى أكون مثل جدي اللى مات قبل ولادتي بـ 15 سنة تقريبًا الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته
واعتبره قدوتي بالحياة، وأنا الناس اللى اقتدي فيهم ينعدون على الأصابع
أعرف إن إسمه عبيد وكثير الحكاوي عنه…
بالبداية خلوني أحكيكم كيف عاش الرجل العظيم هذا وكيف شق طريقة بهذي الحياة
جدي ولد يتيم الأب، ويوم كمل خمس سنوات من عمره أمه توفيت، ومع الأسف ماعنده لا إخوان ولا خوات ، فعمته جزاها الله خير ربته مع بناتها الثنتين
وعلى لسان عمته تحكي وتقول إن قبل قدوم جدي ما كانوا يجدون الطعام اللى يأكلونه، لكن يوم كفلوا يتيم حل عليهم الخير، لدرجة إن الدقيق اللى عندهم يعطون أهل القرية منه ومع كذا ما كأنه ينقص أبداً…
عمته ما ربته على الضعف أبدًا أو أنه يتيم وماعنده سند بالحياة فالمفروض يلتزم الصمت ويسكت عن حقوقه بالعكس ربته على القوة، كانت تمسك يده وهو طفل ماكمل عشر سنوات وتوديه الأراضي اللى أخذوها أهالي القرية بغير وجه حق منه وهي ملك له وورثه من أبوه، وتقول له "هذي لك وهذي أرضك" وكان عدد الأراضي كثير يفوق العشرة
فيوم كبر جدي ووصل عمره 16 سنة بدأ بإستعادة أراضيه، وأتوقع تقدرون تتخيلون الصعوبة اللى ممكن تواجه ولد وحيد بدون سند في هذا العمر وهو يطالب بحقوقه
كنت أتمنى يكون بجواري هذي اللحظة ويقص علي معاناته اللى عاشها ذاك الوقت لكن عساه في جنات النعيم ، طالب بحقوقه وحصل عليها وقدر يشتغل عليها واغتنى أيضًا وذا كله بفضل ربي ثم بفضله هو مال أحد عليه منه
ويوم وصل لعمر الزواج عمته قالت له "خذ من بناتي زوجة لك"، قال لها "مقدر ما أشوفهم إلا مثل خواتي"
فتزوج جدتي وهي بعد يتيمة وخلف منها العديد من الأولاد الله يبارك فيهم أجمعين
قبل ما أتطرق لحياة خالاتي وخوالي في كنفه، بقولكم وش سوى بالأراضي اللى حصل عليها بشق الأنفس، دايمًا كان يكرر لجدتي وعياله "ترى أنا ما اضمن لكم عمري لكن بحاول أسوي لكم اللى ينفعكم بعد مماتي"، لذلك كان أول شخص بالقرية يوثق جميع أراضيه بصكوك رسمية من الدولة! تعرفون كيف يعني شخص قبل 50 سنة تقريبًا ساكن في قرية الإمكانيات محدود عنده، يسعى في إثبات حقوقه عشان أولاده مايرجعون يعيشون نفس المعاناه اللى عاشها؟
بعدها بدأ في سلاسل الإنجازات اللى ماوصلني منها إلا القليل واجزم إن في غيرها الكثير
كان أول شخص بقريتهم يجيب عامل عشان يساعده بالأرض ورعي الغنم
ناهيكم عن كونه تاجر وعنده خير من الله مزارع وأغنام وأرانب وثيران
وبعد من الإنجازات العظيمة اللى تبهرني، إن أهالي القرية يوم بدؤوا يتركون بيوتهم اللى فوق الجبل وينزلون لأرض مستوية أكثر تحت، صار صعب عليهم إنهم يطلعون لمسجد القرية اللى فوق كل صلاة لإنه تعب عليهم فبدؤوا يتكاسلون عن بعض الفروض، قام جدي الله يرحمه خصص غرفة في الأرض اللى بنى بيته فيها لجل تكون مثل المسجد، وفرشها وجاب فيها مصاحف ، وفعلاً بعدها أهالي القرية بدؤوا يحافظون على الصلاة ويجون المسجد اللى بناه…
عظيم إنجازات جدي مثل ما تلاحظون ما وقفت على نفسه وعائلته بل حتى على اللى حوله، لدرجة إن أهالي القرية خلوه يصير "خامس قبليتنا"، واللى ما يعرف وش يعني خامس القبلية، هم أشخاص معينين بعد شيخ القبيلة يكونون مرجع وحكماء لأهل قريتهم
أمي تقول لنا "ما أتذكر في يوم كان بيتنا خالي من الضيوف، كان باب بيتنا بشكل مستمر مفتوح والقهوة أغلب الوقت على النار لأن في أي لحظة ممكن يدخل ضيف"…
وعلى طاري أمي وخالاتي وخوالي، جدي كان مهتم جدًا جدًا بتعليمهم، ورغم إنه أمي -لا يجيد القراءة ولا الكتابة- لكنه كان يقعد عند عياله بالصالة ويخليهم حوله ويسألهم عن وش أخذوا ووش درسوا اليوم ويحاول يتهجى معهم الحروف
واحد من خوالي كان يكره الدراسة تمامًا، وكان جدي يحاول معه بكل الطرق إنه يدرس ومع كذا ما درس وكبر وهو ما أخذ الشهادة، لكن يوم فتحوا المدارس الليلية دخله جدي فيها ولا أعرف كيف أقنعه، لكن بفضل الله ثم بفضل إصراره حصل خالي على الشهادة
ووحدة من خالاتي إيضًا بعد ما خلصت الثانوية كان يبيها تدخل جامعة، وطبعًا قريتنا مافيها جامعة، تتوقعون وش قال؟ نخليها لين يجي نصيبها وتتزوج وتروح؟ لا طبعًا!
وداها جدة ودخلها سكن الطالبات هناك وقال لها "ادرسي الجامعة وجيبي الشهادة"
وقدر الله وخالتي ماكملت الجامعة بسبب ظروف ثانية لكن لحد اللحين ما تنسى موقف جدي معها
وأيضاً واحد من خوالي كان يحب الدراسة جدًا ومتفوق فيها، تدرون وش سوى؟ راح جاب له مكتب وكرسي وحطه بمجلس الرجال
طبعًا بعد سلسلة الإنجازات هذي تتوقعون قال خلاص بكتفي؟ لا طبعًا، رجل مثل طموحه مايكتفي والعظماء مايقنعون بالقليل ، دائمًا يسعون للأكثر
لقى له وظيفة حكومية في مركز صحي بالقرية، مثل حارس على مكان معين وقدم فيها وانقبل، لكن في نفس الوقت كان في شاغر ثاني لعمل حرمة، قام قدم لجدتي معه! ورغم رفض جدتي للوظيفة قال لها "يا غالية - اسمها - ، ترى ماراح ينفعك بعد عمر طويل إلا هي"، وفعلاً صارت ظروف معينة ومن راتب التقاعد حقها قدرت تخارج عمرها وتفرج كربتها بعد وفاته
في النهاية، جدي الله يرحمه توفى بطريقة مو لطيفة مع الأسف، لكنها تليق فيه تليق بحياته اللى عاشها مثل مابدأ عصاميته بالمزرعة انتهت حياته فيها…
انقلبت عليه الحراثة بالمزرعة واجهل التفاصيل الدقيقة ولا لي قلب اسألهم عليها…
والمحزن أيضًا إنه كان مخطط يسوي لهم فيلا كبيرة في وحدة من الأراضي اللى يملكونها ويقول لكل وحدة منهم الغرفة اللى راح يسويها لهم ويشاركهم تصميم البيت، لكن هذي الفيلا وأحلامهم في منزل جديد راحت قبل ما تكون واقع مثل ما راح أبوهم
ذكرت بالبداية إن جدي كان محب للعلم جدًا، ولعلكم من الكلام اللى ذكرته قدرتوا تشوفون حبه، لكن آخر شي تعلمه وحفظه من العلم هو "جزء عم"، حفظه قبل وفاته بشهرين بس! وطريقته البسيطة بالحفظ كان يسمع سورة معينة من الجزء في أثناء صلواته اللى بالمسجد، ويروح عند عياله يسألهم عليها وهم يقولون له ويكررونها عليه كم مره لين يحفظها…
ما أعرفه ولا أملك له غير صورة وحيدة تبان فيها حدة ملامحه المهيبة وبعض من الحكاوي
رحل وجسده مدفون تحت التراب، لكن ذكره وإنجازاته حية لليوم
الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته، وعساني يوم القيامة اجلس معه الجلسات اللى طالما حلمت اني أجلسها، ويذكر لي حياته بالتفصيل، وأذكر له قد أيه كانت إنجازاته دافع لي إن اسوي أمور كبيرة بحياتي…
